[وثائقي]: عودة عين الغرة القديحية تكشف عن حب أكبر مؤرخ لعيون القطيف اليوم


تحكم خط القراءة

مريم آل عبدالعال - القديح

بعد أن "هجم/هيًم" الأسفلت الذي أخفى عين الغرة وهي واحدة من عيون بلدة القديح التاريخية الأثرية التي حفرها السكان من قديم الزمان، يوم الأربعاء الماضي، كشفت أيضاً عن ارتباط هذه العين في ذاكرة أكبر مؤرخ لعيون القطيف اليوم، المؤرخ عبدالخالق الجنبي الذي يعتبر أحد الباحثين الموسوعيين في محافظة القطيف.

حكاية عشق وألم

ويسرد الجنبي لـ"زاوية55" انطباعه المؤلم عنها كونها هي العين التي تعلم فيها السباحة أو اكتشف أنه يجيد السباحة في مياهها العميقة بحكم أنها في بلدته القديح، ووقوعها على مقربة من منزله.

ويعرب عن تعلقه بذكراها في قوله: "كنت أحبُّ هذه العين لأنها كانت أقرب عيون القديح المفضلة للسباحة إلى منزلنا، وحتى مع غرق ابن خالي فيها، فإنّ ذلك لم يمنعني من الذهاب إليها والسباحة فيها".

ويتابع: "كانت واحدة من أجمل عيون هذه البلدة المليئة بمثيلاتها من العُيون الحفرية القديمة كعين المحارق وعين اللبانية وعين الديسمية وعين ساداس وعين الرواسية، وكل هذه العُيون كانت مفضلة للسباحة ليس من أهالي القديح فقط؛ بل كانت مفضلة للسباحة لدى سكان واحة القطيف عامّة، وكان القطيفيون يأتونها للسباحة والاستجمام والترويح عن النفس".

ويستعيد تفاصيلها بقوله: "عين الغُرّة كانت هي المفضلة لديّ لأنني في هذه العين تعلمتُ السباحة أو اكتشفت أنني أجيد السباحة في المياه العميقة، كانت قرب بيتنا، وكنت أذهب إليها في بادئ الأمر مع إخوتي وأقاربي، ونظراً لكون هذه العين كانت تتصف بصفاء الماء وتدفقه الطبيعي، ووقوعها وسط بساتين النخيل الغناء بعيداً عن البيوت الحجرية او تلك المصنوعة من سعف النخيل حينها، فقد تجرأت على الذهاب إليها وحدي دون أن يكون معي أحدٌ من إخوتي أو أقاربي".

ويذكر أنها تقع شماليّ غربي مسوّرة البلدة بـ400 مترٍ فقط في وسط بساتين البلدـ وكان لها ثلاثة جداول تخرج منها، وتسقي بساتين النخيل المحيطة بفوهة العين؛ جدولٌ يتجه إلى ناحية الشمال، وآخر يتجه ناحية الجنوب، وأما الثالث، فكان يتجه ناحية الشرق، وأما فوهة العين أو حوضها فهو يتكون من منبعها الرباعي الهندسي الجميل الذي يقع وسط حوضها، ويتدفق الماء منه إلى الحوض ليكون بركة مستديرة ضحلة تُسمّى الجَصّة بحيث كان ماء العين يصبُّ فيها عبر المجرى القصير القادم من العين.

هيبة العين صنعت أسطورة الراعية

وقال في التفاصيل: "من هذه الجصّة يتم توزيع حصة الماء الشمالية من العين إلى النخيل الواقعة في تلك الجهة عبر حصص زمنية وأسبوعية متفق عليها بين أصحاب بساتين النخيل التي كانت هذه العين تسقيها، وأذكر أنه في ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى العين بمفردي لم يكن في العين أحدٌ، وكان لها هيبة عظيمة في النفس وذلك لما كنت أسمعه دائما من والدتي وأهلي بأنه كان لها راعية تطلب الأولاد الصغار أي جنية، والتي أدركتُ لاحقاً أن ذلك كان القصد منه تخويف الأمهات والآباء لأبنائهم لئلا يذهبوا إلى هذه العيون وحدهم خوفاً عليهم من الغرق."

معلمٌ للسباحة

ويقول الجنبي أن اليوم الذي قرر السباحة بمفرده في العين لم يجرؤ على النزول، وكان قراره أن ينزل في بركتها "الجصة" المرتبطة بالعين بواسطة قناة ضيقة، حيث أغرته بالعبور من خلالها إلى داخل العين والنظر لعمقها ممسكاً بحجارتها البارزة، إلا أنه قام بدفع نفسه مكتشفاً عبرها إجادته للسباحة بمفرده وإدمانها حيث أترابه كانوا يتعلمونها على يد متمترسين، غير أنه أصبح معلماً هو الآخر لأقاربه.

"يوم حشر".. قصص غرقى عين الغرة

إلى جانب من تعلم السباحة في مياهها، هناك من لقي حتفه فيها، ويستذكر الجنبي حوادث غرق بعض الأهالي فيها حيث كان اليوم الذي يُسمع فيه بغرق أحد سكان البلد في هذه العين فهو كيوم حشرٍ عندها بحيث كان جلّ أهالي البلد يقصدونها بقصد معرفة صحة الخبر، أو لتقديم المساعدة والعون في الغوص داخل العين التي كانت عميقة جداً لاستخراج جثة الغريق.

ويستوقف الجنبي على قصة أحد غرقى هذه العين، ويحكيها: " من الذين لا يمكن أن أنساهم هو ابن خالي وتربي وصديقي شاكر بن رضي الجنبي الذي غرق فيها، وقد كان يوماً في حياتي لا يُنسى، ولم أنسه حتى الآن؛ إلا أنّ غرق ابن خالي لم يمنعني ولم يمنع الآخرين الذين فقدوا بسبب الغرق فيها أحبة لهم من الذهاب إليها والسباحة فيها، فسحر مائها وعذوبته وصفاؤه كان أكبر من أن يُقاومه أحد." 

نبأ الدفن

ويتحدث الجنبي بأنه انتابه الألم إثر دفنها الذي تعرضت له من قبل بعض سكان المنازل التي أنشئت على أراضي البساتين القديمة المحيطة بالعين خوفاً منها على أطفالهم، مستدركاً أنه لا ملامة عليهم لأن وضعها كان مخيفاً جداً منوهاً إلى عمق منبعها الذي يصل إلى أكثر من خمسة عشر متراً، حتى مع وجود سورٍ وضعته هيئة الري والصرف عليها.

وأضاف أنه ودّ حينها لو أنّ الجهات الحكومية المختصة قامت بعمل صيانة لهذه العيون أو لما تبقى منها، وإحاطتها بأسوار جيدة أسوة بمثيلاتها عيون واحة الأحساء لكون هذه العيون هي جزءٌ لا يتجزأ من تاريخ القطيف؛ بل من تاريخ المنطقة.

أثر عودة الغرة

ويعقب أنه حين سمع بما حصل من انهيار الردم الذي وضع فوقها وخرج إلى النور بعض حجارتها وآثارها تأثر كثيراً لهذا الذي حصل.

وأكد أنه تمنى لو أنّ تكون لديه القدرة أن يعيد لهذه العين الجميلة والرائعة حياتها ورونقها الجميل الذي كانت عليه في الزمن الماضي الجميل، والذي لم يبق لنا منه سوى صور هذه العين يوم كان ماؤها ثرّاً دفاقاً يهب إلى البساتين المحيطة بالعين الحياة والخضرة والجمال.

التطلعات لعين الغرة هي ذاتها لكل العيون

وبين أن تطلعاته وما ينبغي عمله لهذه العين هو ما يتطلع لها ولمثيلاتها من عيون القطيف المتبقية، بأن تقوم الجهات الرسمية بإنقاذ ما بقي منها، وإعادة الحياة إلى بعضها – على أقل تقدير – أسوة بما عُمل لبعض عيون الأحساء شقيقة القطيف وشريكتها في التاريخ والعيون، لافتاً إلى تاريخ "الغرة" وانتماءها إلى الإرث الاجتماعي الخاص ببلدة القديح.

قصة الدفن

وأشار المؤرخ الجنبي إلى أن توقف ماء عين الغُرّة عن الدفق كان منذ بداية التسعينيات الميلادية مما أدى إلى تدهور بساتين النخل المحيطة بها وموتها، وهو ما حدا بالمتاجرين في العقار إلى تحويل أراضي تلك البساتين المنهارة إلى أراضٍ للبناء مستغلين التضخّم السكاني الهائل في البلدة التي اشتهرت بأنها أكبر بلدات القطيف سكاناً وأقلها أراض صالحة لبناء البيوت.

وأعرب أنه مع قيام بعض أهالي سكان القديح ببناء مساكن لهم قرب هذه العين التي بدأ ماؤها ينضب شيئاً فشيئاً مشكلة خطراً عليهم وعلى أطفالهم، ولعدم قيام الجهات المسئولة والمختصة في الحكومة بعمل اللازم للمحافظة عليها، فقد اضطر أصحاب هذه المساكن إلى التبرع بدفنها بطريقة عشوائية وغير مدروسة.

وأضاف أنهم أقاموا حديقة صغيرة في موضعها، ولكن يبدو أنّ هذه العين التي طالما سقت البساتين المحيطة بها، وأمتعت الكثيرين من القديحيين بالسباحة في مائها العذب الدفاق تأبى إلا العودة إلى الحياة مرّة أخرى.

المؤرخ الجنبي في سطور

يعد المؤرخ عبدالخالق الجنبي باحث تاريخي وكاتب سعودي ولد في القديح، وأرخ لما يقرب 360 عين من عيون القطيف بالوثائق والصور وله عدة مؤلفات في تاريخ القطيف ومنها: " شرح ديوان ابن المقرَّب، هجر وقصباتها الثلاث: المشقر والصفا والشبعان ونهرها محلم، جنايات مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري على ديوان ابن المقرَّب، جِرّه: مدينة التجارة العالمية القديمة، قبر الآجام، تاريخ التشيع لأهل البيت، المنظومة الهجَرية للملا عطية الجمري، الحسين بن ثابت القطيفي وقصيدته في قبائل وبطون عبد القيس،    واحتي القطيف والأحساء تاريخها، وكيفية حفرها، وأسماؤها، وتوزيعها، جواثى تاريخ الصمود.".

التعليقات