تقريب للبعيد أم تبعيد للقريب


    تحكم خط القراءة

    مقال: الشيخ أحمد سلمان

    من أهمّ سمات هذا العصر هو التطوّر التكنولوجي الهائل الذي نعايشه، حيث قفز العلم قفزات هائلة في كلّ حقوله ممّا انعكس على حياة الإنسان فتغيّرت تبعا لتغيّرات العلم والتكنولوجيا، ولعلّ من أكثر الأمور ارتباطا بحياة الإنسان اليوميّة وتأثيرا عليها "وسائل التواصل الاجتماعي" والتي تحتاج منّا وقفة طويلة اليوم.

    لا يمكن لأحد أن ينكر أنّ لهذه الوسائل دورا إيجابيّا مهمّا فهي تقدّم العالم بين يدي الإنسان بل بين يدي الطفل بحيث يستطيع الوصول لأيّ نقطة فيه بلمسة واحدة، فلا توجد في هذا العالم حدود ولا حواجز ولا عوائق للمعرفة، الآن أصبح هناك تعليم عن بعد ويمكن لأيّ شخص أن يدرس ما يريد ويحصل على أعلى الشهادات وهو في بيته، هذا بالإضافة إلى الدور الاجتماعي التي تقوم به من سرعة وصول الأخبار وسهولة الاطّلاع على أحوال من يهمّنا أمرهم، فالعالم لم يصبح قرية صغيرة كما ذكر من نظّر للعولمة بل أصبح شاشة بين يدي كلّ إنسان.

    لكن لا يمكننا أيضا أن نغفل الدور السلبي الخطير الذي تلعبه هذه الوسائل، فهي في الوقت الذي تقرّب البعيد فإنّها تقوم بأمرين خطيرين:

    - تبعيد القريب

    - حرمان الإنسان من أجمل الأشياء


    الأمر الأوّل: تبعيد القريب

    هذا الأمر يمكن دركه بالوجدان بكلّ بساطة فالتعامل مع هذه الأجهزة يولّد حالة إدمان مرضيّة في الإنسان تماما كحالات إدمان التدخين و المخدّرات والكحول بل هي أقوى بكثير من هذه الأمور حتّى قال بعض المختصّين أنّ الإقلاع عن التدخين أسهل بكثير من الإقلاع عن استعمال برامج التواصل، والأخطر من هذا أنّ حالة الإدمان تلازمها تحوّلات نفسيّة أخرى:

    -  العزلة: حيث أنّ المدمن يجنح نحو الوحدة ويرفض الاختلاط بغيره سواء كان قريبا أو صديقا أو جارا، بل سيكون غاية ما يطمح إليه الجلوس في غرفة مغلقة هادئة ليستمتع بما يفعله.

    -  الخمول الشديد: وذلك بالتهرّب من كلّ شيء فيه حركة أو تنقّل لأنّ مثل هذا الأمر سيكون مانعا من معاقرة "جوّاله" أو على الأقلّ عاملا معطّلا

    - التوتّر الشديد والعصبيّة: فطبيعة المدمن أنّه يحسّ بالسعادة والراحة عندما يمارس ما أدمن عليه ولكن بمجرّد أن تطول مدّة تركه فإنّ حالة التوتّر والعصبيّة ترتفع معه شيئا فشيئا حتّى يشفي غليله ويروي ظمأه ممّا أدمن عليه، ولعلّ هذه الحالة نشهد بعض صورها في شهر رمضان لاسيما مع مدمني التدخين.

    هذه الأمور الثلاثة تجعل من الإنسان المدمن صعب المعاشرة فهو لا يقوم بواجباته الاجتماعية التي تقتضي التنقّل والحركة، ولو حصل اجتماع أسري سواء كان دوريّا أو بسبب مناسبة من المناسبات فإنّ وجوده سيكون وجودا سلبيّا إذ أنّه سسكون حاضرا جسدا بلا روح حيث سينكبّ على "جوّاله" ولا يهتمّ بما يجري.

    كثير من حالات الطلاق التي وقفت عليه بنفسي تقول المرأة: أنا أعيش مع رجل جسد بلا روح، فهو معي في المنزل إلّا أنّ ذهنه وعقله وقلبه في "الجوال"، ونفس الشيء بالنسبة للأزواج حيث أنّ المرأة تقضي كلّ يومها على أجهزتها، والأمر ذاته بالنسبة للأبناء الذين لا تربطهم بأهاليهم سوى الطبيعة البيولوجيّة فكلّ له عالمه الخاص الذي يعيش فيه ولا يوجد شيء يشترك فيه مع أسرته سوى البيت، وقد اضطرّ دكتور نفسي اسمه "ريتشارد فريد" أن يبحث قضيّة الإدمان الرقمي بسبب حادثة رأى أنّها غريبة: بنت مراهقة حاولت قتل أمّها لأنّها عاقبتها بحرمانها من هاتفها!


    الأمر الثاني: حرمان الإنسان من أجمل الأشياء

    من الخطأ الكبير أن يتوهّم أحد أنّ أجمل شيء في الحياة هو توفير الحاجيات الماديّة كأن يملك الإنسان أفخم بيت وأفضل سيّارة وأجمل زوج أو زوجة، كلّ هذه الأمور يمكن الحصول عليها ويمكن أن تشترى بالمال، لكن هناك شيء لا يمكن أن يشترى بكلّ أموال الدنيا وهي "السعادة"، فاللحظات السعيدة التي يعيشها الإنسان ويشاركه فيها من يحبّ غير قابلة للبيع والشراء.

    ومشكلة وسائل التواصل أنّها جعلت من الإنسان يميل نحو الوحدة والعزلة بحيث فقدت الحياة الاجتماعيّة طعمها الذي لعلّنا قد تذوّقناه في صغرنا، بل حتّى لو حصلت لنا لحظات سعيدة اليوم فإنّ همّنا الأكبر سيكون تصويرها لا أن نعيشها ونستمتع بها، فالأب عندما يهدي شيئا لأبنائهم فإنّه سيهتمّ بتصوير ما أهداه أكثر من مشاركة أبنائهم الفرحة، بل حتّى الأمّ التي تطبخ ألذّ الطعام أصبحت لا تطبخه من منطلق محبّة بقدر ما يكون الدافع صورة على السناب شات أو الانستغرام، ولا تنتظر شكرا من العائلة بقدر ما تنتظر إعجابات وتعليقات!

    لذلك من أعظم المشاكل الأسريّة التي نعيشها اليوم هي جفاف الروابط الأسريّة، فالجميع منكبّ على جهازه ولا يبالي بالآخرين بل لا يشعر بحرنهم ولا بسعادتهم بل لا يهتمّ لأمرهم البتّة ممّا يهدم الأساس الذي قامت عليه الأسرة وهو وجود رابط بين أفرادها، أمّا الآن فالرابط الوحيد هو التواجد في مكان واحد وهو البيت!

    إصلاح هذا الخلل يبدأ بوعي الناس بخطورة الموقف والآثار السلبيّة التي يمكن أن تحصل نتيجته كما عرف الناس خطورة الوجبات السريعة لمّا أجبرت المحلّات التجاريّة على وضع عدد السعرات الحراريّة.

    أمّا الخطوة الثانية فهي تقنين استعمال هذه الأجهزة ووضع شروط لها بحيث نأخذ منها خيرها ونجتنب شرّها، ونقي أنفسنا وأهلينا سلبيّاتها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).

    التعليقات

    اترك تعليق